محمد أبو زهرة
145
المعجزة الكبرى القرآن
ميزان العدالة في الحكم : 86 - ويبين اللّه سبحانه وتعالى بطريق القصص القرآني - لأنه من تصريف البيان ، كما أشرنا - أن مقياس الحكم العادل إدراك الحق ، وألا يجعل القاضي أو الحاكم ، للهوى سلطانا في الحكم ، فإن كان الهوى كان الشطط في الحكم ، ومظنة الوقوع في الظلم ، وإن كان الحاكم لا بد أن يكون مدركا للحق فلا بد من عنصر العلم ، وإبعاد الهوى . واقرأ قصة داود عليه السلام الذي أعطاه اللّه الملك والحكمة ، فاقرأ العبارات السامية التالية : وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ ( 21 ) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ ( 22 ) إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ ( 23 ) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ ( 24 ) فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ ( 25 ) يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ ( 26 ) . [ ص : 21 - 26 ] هنا نجد القصة عن نبي اللّه داود عليه السلام تتضمن ثلاثة أمور في التنبيه على كل واحدة منها تنبيه إلى أمثل الطرق للوصول إلى العدل في الأحكام . أولها : أنه سبق إلى الحكم من غير أن يستمع إلى كلام الخصم ، فقضى لأحد الخصمين ، قبل أن يستمع إلى كلام الآخر ، فإن ذلك مدرجة الظلم ، بل قد يكون ظلما . ثانيها : أنه لم يكتف بالحكم في القضية المعروضة ، بل عمم الحكم ، والقضاء يكون في القضية المدروسة ، ولا يتجاوزها . الأمر الثالث : وهو يفصل التفرقة بين الحكم الظالم والحكم العادل ، أن الحكم العادل لا يكون بالهوى والشهوة ، وأما الحكم الظالم فإنه يكون تحت سلطان الهوى والشهوة . وأن الملوك والحكام المستبدين يكون مصدر شرهم أهواؤهم ، فهم يتبعون أهواءهم فيما يحكمون به ، وما ينزلونه بالناس ، فهم يسنون النظم تبعا لأهوائهم ويطبقونها تبعا لأهوائهم ، ويجعلون شيعتهم تسارع إلى تنفيذ أهوائهم ، ولا يفهمون المصلحة إلا تابعة لأهوائهم ، فإذا نهى اللّه تعالى نبيه داود عن اتباع الهوى وهو خليفة